ابو القاسم عبد الكريم القشيري

24

لطائف الإشارات

افتيات الإشارة على العبارة ، فلا تخرج بها عن مألوف ما ينسجم مع الأسلوب العربي سواء من حيث اللغة أو النحو أو الاشتقاق أو الفنون الأدبية ، ولا تخرج بها عن الدلالات التي توافق أسباب النزول والأخبار الموثوقة وعلوم الحديث والأصول والفقه ، فكأن الإشارة ليست انبعاثا تلقائيا محضا ولكنها مقيدة - منذ البداية - بالكثير من العلوم العقلية والنقلية فما أشبه موقف اللفظة القرآنية في هذا المجال بموقف من يتهيأ لارتياد الطريق الصوفي فكلاهما يتعرّى عن ظاهره ، وكلاهما يخضع لما تتطلبه المعارف العقلية والنقلية من شرائط البداية ، وكلاهما يصبح صافيا رائقا يشف درجة بعد درجة كلما زاد الصعود وارتقى القصود . . فاللفظة القرآنية فيها حياة وفيها نمو ، وفيها عوالم مضيئة متألقة تشبه تلك العوالم التي يتدرج فيها العابد الزاهد المريد العارف المحب . قد يقال وأي فرق إذا بين التفسير الإشارى وغيره من التفاسير ما دام يعنى بالأمور العقلية والنقلية ؟ والجواب على ذلك أنه لا يعنى بهذه الأمور لذاتها ، ولا يوقف نفسه داخل أسوارها ، ولا يقطع العمر في حزازاتها وخلافاتها ، إنما هي وسيلة في الابتداء يلجأ إليها المفسر بمقدار ما يسعفه حظه منها لكي يفض الأغلفة الظاهرية . وهذه العناية إن التزمت بذلك صارت وسيلة من وسائل إقناعنا بأن التفسير الإشارى ليس عشوائيا يخب فيه كل من هبّ ودبّ ولكنه خاضع لنواميس وقواعد . ونستطيع بعد ذلك أن نميّز بين تفسير القشيري في « لطائفه » وبين أولئك الذين ننسب تفاسيرهم إلى التصوف وأهله ، أولئك الذين أسرفوا حين حمّلوا النص القرآني فوق ما يحتمل ، وبدلا من أن يخضعوا للنص القرآني أخضعوا النصّ القرآنىّ لنصرة مذاهبهم ، وساروا في الدروب العقلية حتى جمحوا ، وابتعدوا عن الخط الأصيل حتى صارت تفاسيرهم جديرة بالدرس في مجالس الفلسفة والكلام لا في مجالس الرياضات والمجاهدات والأحوال . أمّا عند القشيري فليس هناك مذهب عقلي خبىء ، ولا عقيدة باطنية مستورة ، كلّ ما عنده من قصد أن يتمّ لقاء كامل بين الشريعة والحقيقة في ظلال كلمات اللّه - جل ذكره ، لأنه إذا لم يتم هذا اللقاء في كنف كلام اللّه فأين يمكن أن يتم ؟ ! وهنا تلتقى هذه المحاولة التي بذلها في « اللطائف » مع المحاولة التي بذلها في « الرسالة »